ابن كثير
137
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
صلصلة ، فذلك حين يقول مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] يقول : لأمر ما خلقت ، ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف ، لئن سلطت عليه لأهلكنه ، فلما بلغ الحين الذي يريد اللّه عز وجل أن ينفخ فيه الروح ، قال الملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد للّه ، فقال الحمد للّه ، فقال له اللّه « رحمك ربك » فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخل الروح إلى جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول اللّه تعالى خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبي أن يكون مع الساجدين ، أبى واستكبر وكان من الكافرين ، قال اللّه له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي ؟ قال : أنا خير منه لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين . قال اللّه له : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ يعني ما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [ الأعراف : 13 ] والصغار هو الذل ، قال وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثم عرض الخلق على الملائكة فقال أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال اللّه : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال : قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها فهذا الذي أبدوا وأعلم ما تكتمون يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر « 1 » ، فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة ، فلعل بعضها مدرج « 2 » ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوا من بعض الكتب المتقدمة ، واللّه أعلم « 3 » . والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه ويقول أشياء ويقول على شرط البخاري . والغرض أن اللّه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم ، دخل إبليس في خطابهم لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم ، فلهذا دخل في الخطاب لهم وذم في مخالفة الأمر ، وسنبسط المسألة إن شاء اللّه تعالى عند قوله : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
--> ( 1 ) خبر السدّي بالإسناد المذكور نقله الطبري في تفسيره 1 / 240 - 241 . ( 2 ) حديث مدرج : هو الحديث الذي يرويه الراوي فيذكر في آخره كلاما لنفسه أو لغيره من غير فصل أو تمييز ، فيأتي بعده من يرويه متصلا متوهما أنه من أصل الحديث . ( 3 ) الإسناد المذكور الذي أورده السّدي في تفسيره « عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود - وعن ناس من الصحابة » هو من أكثر الأسانيد دورانا في تفسير الطبري ، علما أن الطبري نفسه قد ارتاب به ولكنه لم يبيّن علّة ارتيابه . وللأستاذ محمود شاكر بحث وتدقيق ورأي حول هذا الأمر ، فانظر تفسير الطبري ( طبعة دار المعارف ) 1 / 156 - 160 ( حاشية طويلة استغرقت نحو 4 صفحات )